الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شرح مدقق لعمل كل أزرار نافذة الإرسال الجديدة هنا @@ إستفتاء حول شكل الصفحة الرئيسية هنا @@ كيفية تشخيص وتجميل نافذة كتابة المواضيع أو الردود هنا @@ تعلم وضع التوقيع بطريقة إحترافية هنا @@ 


شاطر | 
 

 الحروب الصليبية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مسلم
عضو فقدان
عضو فقدان


عدد المساهمات : 12
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: الحروب الصليبية   الجمعة أكتوبر 16, 2009 6:47 am

قصة الحروب الصليبية
د. راغب السرجاني
المشرف على موقع قصة الإسلام

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات 2
مقدمة الكتاب 3
قصة الصراع بين النصرانية والإسلام 10
العالم الإسلامي قبيل الحروب الصليبية 18
أوربا قبل الحروب الصليبية 27
الدعوة للحملة الصليبية الأولى 36
الطريق إلى بلاد المسلمين 48
الصدام مع السلاجقة الروم 62
حصار أنطاكية 75
الطريق إلى بيت المقدس 99
وقفة للتحليل بعد سقوط بيت المقدس 122
النجدة الصليبية 134
نور من شمال العراق!! 160
قصة مودود 193
وقفة وتحليل بعد استشهاد مودود 216
أصول عماد الدين زنكي 246
نشأة عماد الدين زنكي 255
عماد الدين زنكي وبناء الأمة 280
عماد الدين زنكي.. وحدة وجهاد! 287
عماد الدين زنكي وفتح الرها 358
نهاية القصة 381
خاتمة 397
مصادر الدراسة 398
القرآن الكريم 398
التوراة والإنجيل 398
الأحاديث والأثار 398
كتب التخريج 399
كتب التاريخ والتراجم 399
المراجع الأجنبية 402
فهرس الآيات 405
فهرس الأحاديث 406
فهرس الأعلام 407
فهرس الأماكن 414
فهرس القلاع والحصون 421
فهرس المعارك الحربية 422


مقدمة الكتاب
لا يخفى على من يقرأ القرآن الكريم أن أسلوب القصة يُعَدُّ من الأساليب الرئيسية لتوصيل فكرة أو تفهيم معنى. ولا يخفى على قارئ القرآن الكريم أيضًا أن القَصَص فيه لا يذكر إلا متبوعًا بعِبْرة أو درس أو فائدة، وأنه قد بُنِي بصورة تجعل القصة قريبة جدًّا إلى التطبيق الواقعي في حياتنا، حتى لكأنك ترى الأحداث رأي العين، وحتى لكأنك تعلم هؤلاء الأشخاص، وتعايشهم في حياتك الشخصية، ولكن بأسماء مختلفة؛ فهذا يفعل مثلما كان فرعون يفعل في القصة، وهذا يشبه قارون، وآخر يسير على خُطَا طالوت، ورابع يحاكي ذي القرنين في سيرته، وهؤلاء يشبهون قوم بني إسرائيل في مرحلة معينة من مراحل حياتهم، وآخرون يعيشون حياة قوم ثمود، وهكذا.
إن كل النماذج التي نراها في حياتنا لها أمثلة متشابهة في القرآن الكريم، حتى أصبح القرآن دليلاً واضحًا لطريقة الحياة التي ينبغي أن نكون عليها، وكل ذلك من خلال القصة؛ ولذلك يأمر ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين بقصِّ القصة، ورواية الرواية، يقول تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ).
وتاريخ الإنسانية كنزٌ عظيم، فيه من التجارب والخبرات ما لا يُقدَّر بثمن، وخطأٌ كبير أن يقع الحكيم فيما وقع فيه السابقون، وذنبٌ عظيم أن نتوه في الدروب، وفي أيدينا دليل النجاة. ولقد ضلت أمتنا كثيرًا لأنها أهملت تاريخها وتاريخ البشر، بل - وللأسف الشديد - فإنها عندما قرأتْ تاريخها قرأته على يد مبدِّلين ومغيِّرين زوَّروا الكثير من الصفحات، وشوَّهوا العديد من الرموز، وبدَّلوا القصص، وقلبوا أحداثها؛ فصار الصالحُ طالحًا، وأصبح المفسد حكيمًا، وبهذا ضاعت العِبَر، واختفت الدروس، وفَقَد المسلمون أحد أهم كنوزهم.
لذا كان لزامًا علينا أن نقوم بحملة دراسة شاملة لدراسة التاريخ الإسلامي من كل جوانبه؛ فنصحِّح كل هذه التجاوزات، ونعيد الأمور إلى نصابها، وبالتالي نستطيع الاستفادة من هذا الكنز الهائل.
وبين أيدينا محاولة لهذا التصحيح في موضوع من أهم الموضوعات التاريخية، وهو قصة الحروب الصليبية، وهي قصة في غاية الأهمية، ودراستها حتمية لفَهْم كثيرٍ من الأمور، سواء في التاريخ أو في الواقع؛ فدراسة هذه القصة مهمَّة لفهم التاريخ الإسلامي، وهي كذلك مهمة لفهم واقعنا الذي نعيش فيه الآن.
وقد وقع اختيارنا على هذه القصة لعدة أسباب، كان منها:

أولاً: فترة طويلة من التاريخ الإسلامي بل والإنساني
إنها أكثر من مائتي سنة، أي ما يمثِّل 1\7 التاريخ الإسلامي، فإن كنا نرى للتاريخ الإسلامي أهمية، فلا شك أن دراسة هذه الفترة أمر في غاية الأهمية.
وليست دراسة هذه الفترة مهمة للمسلمين فقط، بل اهتم بها الأوربيون وغيرهم من مفكري العالم وعلمائه؛ فقد ظلت الحروب الصليبية مسيطرة على الفكر الأوربي وعقلية الأدباء والشعراء وعموم الناس أكثر من ثلاثة قرون متصلة، وذلك من سنة (488هـ) 1095م حين بدأت هذه الحروب وحتى سنة (802هـ)1400م بعد انتهائها بقرن كامل، بل وظل الاهتمام بها مستمرًّا في كل جامعات ومعاهد أوربا وأمريكا إلى الآن، حتى إنه في دراسة قام بها المؤرخ نورمان كانتور وجد أن الحادث الوحيد الذي يعرفه الخريج العادي من الجامعات الأمريكية فيما يتعلق بتاريخ العصور الوسطى هو الحملة الصليبية الأولى، ووجد أيضًا أن انطباعات هؤلاء الخريجين عن هذه الحملة إيجابية جدًّا .
ثانيًا: ولأن هذه الفترة طويلة فإننا نستطيع أن نرصد فيها الأيدلوجيات المختلفة للأطراف المتصارعة، فإن أفكار المجتمع الغربي وأهداف محركي الجموع والجيوش وواضعي السياسيات والنظم قد تكون شاذة عن المألوف لو كانت عابرة أو مؤقتة، ولكن ثبات هذه الأيدلوجيات عشرات السنين أو مائتين من السنين يؤكد أن هذه الأيدلوجيات عقائد ثابتة راسخة، وليس مجرَّد فكرة طارئة خرجت من ذهن متهوِّر أو جاهل.
وبهذا سنفهم خلفيات الغرب الأوربي في حربه للمسلمين، وهي الخلفيات التي حكمت الصراع قديمًا بين المسلمين والنصارى من الدولة الرومانية، كما سنفهم خلفيات المجاهدين المسلمين وطرقهم في الحرب، وفي المعاهدة، وفي التعامل مع غير المسلمين، ومناهجهم في التغيير.
إنها دراسة رائعة في نفسيات البشر، وأدبيات الصراع بين القوى المختلفة، خاصةً إذا كان الإسلام طرفًا في القضية.
ثالثًا: يبرز احتياجنا لدراسة الحروب الصليبية بدرجة أكبر عند رؤية التشابه العجيب بين هذه الحقبة القديمة التي مرَّ عليها أكثر من تسعة قرون، وبين زماننا المعاصر الذي نعيش فيه الآن.
فكما قامت قوات التحالف الغربي بغزو العالم الإسلامي، وكما رأينا التكاتف بينهم لحرب واحدة، وكما رأينا التعاون بين الساسة والحربيين ورجال الدين وأهل الاقتصاد والعلوم لإمضاء هذه الحرب وإنفاذها، فإننا نرى الآن نفس هذا التكاتف والتعاون والتنسيق لحرب العالم الإسلامي في أكثر من بقعة.
وكما رأينا غزو الصليبيين للشام وفلسطين وأجزاء من تركيا ومصر بل والحجاز، نرى الآن الهجمات المستمرة، والجهود المتتالية التي نجحت في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير والبوسنة وكوسوفو، ونراها تخطط بحرص وتدبير في السودان والصومال ولبنان وسوريا، وليست مصر أو إيران أو باكستان أو تركيا ببعيدة عن الخطر.
وكما رأينا كيانًا غريبًا يُزرع في فلسطين عُرف بعد ذلك بمملكة بيت المقدس الصليبية، ورأينا هذا الكيان يستمر عشرات السنين، ورأيناه يُمَدُّ بكل أنواع المساعدة من الغرب الصليبي، رأينا أيضًا الآن الكيان اليهوديّ يُزرع في نفس الأرض، في فلسطين، ويُمد بكل أنواع المساعدة من الغرب الصليبي أيضًا.
وكما رأينا الفكر الاستيطاني الذي كان من محركي الحروب الصليبية، وكيف أنهم جاءوا برجالهم ونسائهم وأطفالهم لا لينتصروا في معركة ويعودوا بغنائم، ولكن ليعيشوا ويستقروا ويمتلكوا وينسوا تمامًا روابطهم القديمة وجذورهم الأصلية؛ كما رأينا ذلك رأينا الآن اليهود يقومون بنفس الشيء ويهاجرون إلى الأرض المباركة بكل عائلاتهم ليستقروا بلا عودة.
وكما رأينا التخاذل من كثير من زعماء العرب والمسلمين، وظهور نماذج مخزية في تاريخ الحروب الصليبية تفسِّر الانهيارات المروعة التي حدثت في مقاومة المسلمين للمدِّ الصليبي، نرى الآن نفس التخاذلات وبنفس الروح، وبصورة تكاد تتطابق، فلا يهب جيشٌ ولا زعيم لنصر المكروبين في بلاد العالم الإسلامي المحتل.
وكما رأينا حرصًا من أعداء الأمة على منع الوحدة بين ولايات الشام، وعلى منع الوحدة بين مصر والشام، وعلى منع الوحدة بين أي زعيمين مسلمين؛ لأن في هذا بقاء لهم أطول وأعظم، رأينا نفس الحرص من الغرب الصليبي في زماننا، وقد نجحوا في ذلك أيَّما نجاحٍ؛ فلا تكاد ترى قطرين مسلمين متجاورين إلا وبينهما صراع ونزاع.
وأوجه التشابه أكثر من أن تحصى، وعند دراسة القصة بشكل تفصيلي سنشعر وكأننا لا نقرأ صفحات من تاريخ مضى، ولكن نقرأ واقع حياتنا، وقصة مجتمعاتنا التي نعيش فيها الآن.
رابعًا: يظهر أيضًا بجلاء في قصة الحروب الصليبية الاختلاف الفكري والفقهي والعقائدي في قضية حسَّاسة جدًّا داخل كيان الأمة الإسلامية، وهي قصة= السُّنَّة والشِّيعة، وذلك أن الأحداث تدور في منطقتي الشام ومصر، وهما واقعتان تحت سيطرة سلجوقية سُنِّيَّة من جهة، وعبيديّة فاطمية شيعية من جهة أخرى، وهذا أفرز مواقف كثيرة تعين على فهم دقائق الأمور في زماننا الآن، وكذلك مستقبلاً.
خامسًا: دراسة الصراع مع الصليبيين ليس أمرًا مفيدًا لواقعنا فقط، بل هو مفيد لمستقبلنا أيضًا؛ فمن الواضح أنه لن يأتي زمانٌ تندثر فيه هذه الصراعات وتلك الصدامات، ولكنها قد تهدأ أحيانًا وتنشط أحيانًا أخرى، ولكنها على كل حال ستستمر إلى يوم القيامة. وفي ذلك جاءت أحاديث مختلفة لرسول الله ، وهي أحاديث صحيحة تؤكد استمرار هذه الصورة الحادَّة من العلاقة؛ ومن هذه الأحاديث مثلاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه  قَالَ: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لاَ وَاللَّهِ لاَ نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لاَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لاَ يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشام خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ" .

سادسًا: من الدوافع المهمة لدراسة هذه الحقبة الخطيرة من تاريخ الأمة، التزوير الذي حدث في القصة، وبصورة مكثفة؛ وذلك لثراء القصة أدبيًّا، وولع الكتّاب والمؤلِّفين والأدباء بها، سواء من المسلمين أو الغربيين.
ولا يخفى على أحد أن الأديب لا يهتم كثيرًا بصحة الوقائع التاريخية، ولكن يروي ما يراه يخدم القصة، بل قد يخترع شخصيات وهمية، أو يخترع قصصًا وهمية لأشخاص حقيقيين لتأييد معنى، أو ترسيخ فكرة، وهذا يشوِّش على الناس الكثير من الحقائق، ويصبح المستمع أو القارئ رهينة لفكر المؤلف أو الأديب، هذا فوق التزوير المغرض والتحريف المتعمد الذي استهدف في الأساس تشويه الرموز الإسلامية وتعظيم النوايا الصليبية، وإظهار الموضوع بشكل مغاير تمامًا للحقيقة. ولعل من أكبر التزويرات في تاريخ الحروب الصليبية هو إطلاق هذا الاسم عليها! فالحروب الصليبية لم تكن معروفة بهذا الاسم طيلة الفترة التي حدثت فيها، بل والتي تبعتها، ولم يعرف هذا الاسم إلا في القرن الثامن عشر الميلادي وما بعده، وكان الجميع يطلق على الحروب الصليبية أسماء أخرى مثل: الحملة، أو رحلة الحجاج، أو الرحلة للأراضي المقدسة، أو الحرب المقدسة. أما لماذا اشتهر هذا الاسم فلكونه يحمل معنى الحرب النبيلة، ويُوحِي بالشجاعة والتضحية، ويعبِّر عن الفداء الذي يحبه النصارى، وهي جميعًا صفات لم توجد البتَّة في هذه الحروب، بل كانت حروبًا تجسِّد كل معاني القسوة والعنف والظلم والإجرام، ولكن الانطباع العام عند الأوربيين والأمريكان أنها كانت حرب نبيلة تهدف إلى غايات سامية، واستعملت وسائل شريفة؛ وهذا يفسِّر الكلمة= التي قالها جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهو يصف الحرب الأمريكية على العراق بأنها "حرب صليبية". فهو لا يعني بهذه الكلمة أيَّة ميولٍ عدوانية، إنما هو يسترجع الموروث الثقافي عنده وعند الشعوب النصرانية الأمريكية وغيرها، ومن ثَمَّ يوجه رسالة مباشرة وغير مباشرة إلى كل هذه الشعوب أن هذه الحرب نبيلة وشريفة، وتضحِّي فيها أمريكا من أجل سعادة الإنسانية.
ومع هذا الخلط الشديد في مصطلح الحروب الصليبية إلا أن الخروج منه أصبح صعبًا جدًّا، وخاصةً أن الأجيال الأخيرة من المؤرِّخين المسلمين درست في معظمها على أيدي العلماء الأوربيين، وبالتالي تبنَّوا دون مقاومة نظرياتهم وتحليلاتهم وتقسيماتهم للتاريخ ومصطلحاتهم في وصفه، ولم يعُدْ يجدي هنا أن نتحدث عن الحملة الاستعمارية الأولى، أو عن حملة أوربا الغربية، أو عن حروب النصارى أو غير ذلك من المصطلحات؛ لأنها كلها ستصرف الذهن حتمًا إلى شيء آخر غير ما نعنيه من معارك وأحداث؛ ولذا جاء اسم الكتاب (قصة الحروب الصليبية) مع رفضنا التام لهذه التسمية.
سابعًا: من أهداف دراسة الموضوع أيضًا تحليل الأهداف والبواعث التي كانت وراء هذه الهجمة الصليبية الشراسة، وذلك أن المؤرِّخين والمحلِّلين انقسموا في ذلك إلى فرق شتى؛ فمنهم من يؤكِّد الدافع الديني، وآخرون يؤكدون الدوافع الاقتصادية، وفريق ثالث يؤكد الدوافع السياسية، وفريق رابع يؤكد الأبعاد الأخلاقية لهذه الحرب، وفريق خامس يجمع عاملين أو ثلاثة، أو يجمع كل العوامل مع تقديم وتأخير، وحذف وإضافة.
فهذا موضوعٌ أعملَ فيه الكثيرُ والكثير فكرهم وذهنهم وجهدهم، واختلفت فيه التفسيرات بحسب الخلفيات العقلية والعلمية والدينية لكل محلِّل أو دارس.
ثامنًا من أسباب هذه الدراسة أيضًا إيضاح الصفحات المشرقة لجهاد الكثير من أعلام المسلمين ومجاهديهم؛ فإن معظم من تناولوا هذا الحدث قصروا الجهد كله على صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وهو وإن كان مجاهدًا من أعظم المجاهدين في تاريخ المسلمين إلا أنه ليس الوحيد الذي حمل راية الجهاد في قصة الصليبيين، فهناك الكثير ممن سبقوه، وكذلك ممن لحق به، ومع ذلك لم يسمع بهم معظم المسلمين، وإلا فمن يعرف مودودًا؟! ومن يعرف سقمان بن آرتق؟! ومن يعرف آق سنقر؟! وغيرهم وغيرهم من المجاهدين العظماء، بل مَن يعرف تفاصيل حياة المشهورين من أمثال عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، ونجم الدين أيوب، وغيرهم من أبطال الإسلام؟!
فهذه الدراسة ستثبت لنا أن الجهد الذي بذل لتحرير بلاد الإسلام إنما هو جهد أمة وليس جهد أفراد، وأن هناك من الأتقياء الأخفياء في تاريخنا ما لا يتخيله إنسان، وأن الأمة لا تزال - ولن تزال - بخير إلى يوم القيامة.
تاسعًا: أغفل الكثير من المحللين أيضًا دور العلماء في تحرير بلاد المسلمين من الصليبيين، فلا يوجد لهم حديث إلا عن القوَّاد والمقاتلين، وليس هناك تفصيل إلا في المعارك العسكرية، والصدامات الحربية. وهذا مخالف لطبيعة الأشياء، ولسنن التغيير في هذه الأمة، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقضية العودة إلى الله وتطبيق الشرع، والحرص على الحلال، ونبذ المنكر والحرام، وهذه أدوار يقوم بها العلماء المخلصون، وهم في قصة الحروب الصليبية كُثُر، ولكن لم يركز عليهم إلا قليل القليل من المؤلِّفين والمحلِّلين، مع أنه بغير فَهْم دورهم والتركيز عليه، لن نستطيع أن نفهم طريقة البناء، ولا أسلوب الخروج من الأزمة.
عاشرًا: وندرس الحروب الصليبية أيضًا لأن الآثار الناجمة عنها آثار هائلة ضخمة، لم تكن محدودة بفترة المائتي سنة التي وقعت فيها هذه الحروب ولكنها امتدت بعد ذلك طويلاً، وليس لعدة سنوات بل لعدة قرون, بل إننا ما زلنا إلى لحظتنا هذه نعاني من آثار هذه الحروب المريرة. ولعل من أبرز الآثار المباشرة لهذه الحروب هو توقُّف المد الحضاري الإسلامي العظيم، الذي كان في أوج عظمته، وأبلغ مظاهره، حتى جاء الصليبيون فشغلوا طاقات الأمة وجهودها في حروبهم، وبالتالي استنزفت كل الطاقات، وتبدَّدت كل الجهود، ووقفت المسيرة الخالدة التي حمل المسلمون رايتها عدة قرون متتالية.
ثم إنه من الناحية الأخرى - وبعد هذه الحروب الصليبية الشرسة - أخذ الصليبيون التراث العلمي الإسلامي العظيم من بلاد المسلمين، وخاصةً الأندلس وصقلية، وأحيانًا من بلاد الشام، ثم بدءوا بشغفٍ واهتمام يترجمونه ويعكفون على دراسته وتطبيقه، وكان هذا - لا شكَّ - نواةً للحضارة الأوربية التي قامت في القرن الخامس عشر وما بعده.
فكما نرى، فإن هذا تغيرٌ محوري في مسيرة البشرية، قاد أمة إلى تخلفٍ وانحدار، وقاد أمة أخرى إلى علوٍّ وازدهار. نَعَمْ ليس هذا هو العامل الوحيد لهذه الأزمة التي مرت بها الأمة الإسلامية، ولكن لا شكَّ أنه من أهمِّ العوامل.
ولعل هذا يجرُّنا إلى الحديث والتعليق على الفتوح الإسلامية، ومقارنتها بالحروب الصليبية، وشتَّان، فالدوافع والوسائل والنتائج كلها مختلفة تمام الاختلاف.
فالدوافع الإسلامية كانت رفع الظلم عن كواهل الشعوب، والتعريف بدين الإسلام دون قهر أو إجبار، ثم إنها كانت - في كثيرٍ من الأحيان - دفاعًا عن تعدٍّ صارخ من القوى المختلفة المحيطة بالمسلمين.
والوسائل الإسلامية في الحروب كانت في منتهى الرقي، ولعل الأمة الإسلامية هي الوحيدة التي عرفت معنى أخلاق الحروب، وأهم ما يميِّز هذه الحروب هو البعد تمامًا عن إيذاء المدنيين، وكذلك حسن المعاملة للأسرى، بل والتعامل النبيل الشهم مع قادة العدوِّ عند التمكُّن منهم.
ونتائج الحروب الإسلامية كانت مختلفة كذلك عن نتائج حروب الآخرين، فبينما جعل الآخرون من هممهم هدم الحضارة، ووقف مسيرة الإنسانية، جعل المسلمون من هممهم نشر العلم والفضيلة، والأخذ بأيدي الشعوب إلى أسمى معاني الرقي والتقدم.
ولينظر كل منصف إلى الأندلس قبل الإسلام وبعده.
ولينظر إلى مصر قبل الإسلام وبعده.
ولينظر إلى المغرب قبل الإسلام وبعده.
ولينظر إلى بخارى وسمرقند ومدن الشام واليمن وغيرهم قبل الإسلام وبعده.
لقد كانت نقلة حضارة إنسانية بكل المقاييس.
وهذا لم نره أبدًا في الحروب الصليبية، ولا في أيِّ حروب لم تحتكم إلى دين صحيح أو خُلُق قويم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
كبرياء انثي
عضو ((( VIP )))
عضو ((( VIP )))


عدد المساهمات : 852
تاريخ التسجيل : 14/09/2009
العمر : 22
الموقع : حيث اللاوجود

مُساهمةموضوع: رد: الحروب الصليبية   الجمعة أكتوبر 16, 2009 6:19 pm

كل الشكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
HELMY
المديـــــــــر الــــــــعام
المديـــــــــر الــــــــعام


عدد المساهمات : 589
تاريخ التسجيل : 05/09/2009

مُساهمةموضوع: رد: الحروب الصليبية   الإثنين أكتوبر 19, 2009 9:58 pm

مشكووووووووووووووووووووووور

_________________


[center]

عَشِقت الْسِحْرَ مِنْ غَدْرِِالْبَشَرْ .....فَكُلَمَاً زَادَتْ مَعْرِفَتِي بِالْبَشَرْ
زَادَ حُبِي لِلْكِلاًبَ
[/center]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://h4h8.yoo7.com
 
الحروب الصليبية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: إسلاميات :: °¨¨™¤¦ التاريخ الإسلامي ¦¤™¨¨°-
انتقل الى: