الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شرح مدقق لعمل كل أزرار نافذة الإرسال الجديدة هنا @@ إستفتاء حول شكل الصفحة الرئيسية هنا @@ كيفية تشخيص وتجميل نافذة كتابة المواضيع أو الردود هنا @@ تعلم وضع التوقيع بطريقة إحترافية هنا @@ 


شاطر | 
 

 الحروب الصليبية3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مسلم
عضو فقدان
عضو فقدان


عدد المساهمات : 12
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: الحروب الصليبية3   السبت أكتوبر 17, 2009 4:52 pm

أولاً: دولة السلاجقة الكبرى وهي التي خلفها ملكشاه الأول، وظلت تحكم أقاليم واسعة أهمها العراق وإيران، وكانت لها السيطرة المباشرة على الخلافة العباسية، وهذه كان بها صراعات داخلية، وإن كانت ظلت متماسكة إلى حدٍّ ما، وكان يحكمها خلفًا لملكشاه ابنه الأكبر بركياروق، وقامت ضده عدة ثورات من أقاربه وأعمامه، ولكنه ظل حاكمًا حتى وفاته (498هـ) 1104م .
ثانيًا: بيت سلاجقة كرمان (جنوب إيران ومنطقة باكستان)، وهم عشيرة قاروت بك بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وهو أخو القائد الكبير ألب أرسلان.
ثالثًا: سلاجقة عراق العجم وكردستان (في شمال العراق).
رابعًا: سلاجقة الشام، وهم بيت تتش بن ألب أرسلان، وهؤلاء انقسموا على أنفسهم عدة انقسامات، وفتَّتوا الشام إلى عدة إمارات، سنأتي لتفصيلها بإذن الله.
خامسًا: سلاجقة الروم بآسيا الصغرى، وهم بيت قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، والذي كان أكبرهم سليمان بن قتلمش أقوى ملوكهم، الذي قُتل سنة (478هـ) 1086م كما بينا.
ونتيجة هذه الصراعات المتتالية صار الوضع مزريًا قبيل دخول الجيوش الصليبية إلى أرض المسلمين.
ففي أرض الشام صارت حلب إمارة مستقلة تحت زعامة رضوان بن تتش، وصارت دمشق أيضًا إمارة مستقلة تحت حكم دقاق بن تتش، أما فلسطين فقد كانت تحت حكم سقمان وإيلغازي أولاد أرتق التركماني، وهو أحد القادة الذين كانوا يتبعون تتش بن ألب أرسلان .
ثم إن الدولة العبيدية (الفاطمية) - التي كانت تحكم مصر آنذاك - كانت متفوقة في أسطولها البحري عن السلاجقة؛ مما مكَّنها من السيطرة على موانئ الشام، وأهمها صور وصيدا وعكا وجبيل، غير أن ميناء طرابلس كان إمارة مستقلة تحت حكم ابن عمار أبي طالب، وهو من الزعماء الشيعة المنشقِّين عن الدولة العبيديّة .
فكان هذا هو حال الشام! وهي المنطقة التي ستوجَّه إليها الحملات الصليبية القادمة.
ولم يكن حال آسيا الصغرى بأفضل من حال الشام، وخاصةً بعد مقتل سليمان بن قتلمش سنة (478هـ) 1086م ، وكان السلطان ملكشاه قد أخذ ابن سليمان بن قتلمش وهو قلج أرسلان إلى فارس تحت رقابته ، غير أنه عند وفاة ملكشاه وولاية ابنه بركياروق أطلق سراح قلج أرسلان ليصبح بذلك زعيم السلاجقة الروم ، وإن لم يتمكن من السيطرة على كل آسيا الصغرى. ولا يخفى على أحد أنه كان لا يمتلك الخبرة الكافية لهذه المهمة الكبيرة، وهي قيادة منطقة تموج بالمشاكل والفتن، سواء من المسلمين أو من غير المسلمين؛ فالمشاكل الداخلية بين الأتراك، والمشاكل مع سلاجقة الشام كانت مستمرة ومستعرة، إضافةً إلى وجودها إلى جوار الدولة البيزنطية العدو اللدود والتقليدي للمسلمين على مدار خمسة قرون متتالية.
ثم إن آسيا الصغرى لم تكن وحدة واحدة، فأزمير مثلاً كانت تحت إمرة زاخارس، بينما كانت هناك إمارة الدانشمند، وهي إمارة أسسها أمير تركماني اسمه أحمد غازي، وكانت تشغل الشمال الشرقي من آسيا الصغرى، وكانت على خلاف مستمر مع السلاجقة في آسيا الصغرى، ومن ثَمَّ كان التحالف بينهما نادرًا ما يحدث، وفي ظروف ضيقة جدًّا .
وليس هذا فقط، فقد شهدت سنة (490هـ) 1095م توسُّعًا بيزنطيًّا في غرب آسيا الصغرى، واستولت على الجهات الساحلية في نيثنيا وأبونيا ، ومما زاد الموقف تعقيدًا في آسيا الصغرى وجود أعداد كبيرة من الأرمن كانوا يعيشون في دولتهم في هذه المنطقة منذ فترات طويلة، لكن الدولة البيزنطية ضمت أرمينيا إلى أملاكها في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، لكن مع توسع السلاجقة في القرن الخامس الهجري في آسيا الصغرى على حساب أملاك الدولة البيزنطية اجتاح السلاجقة الكثير من أقاليم أرمينيا؛ مما جعل الأرمن يهاجرون إلى الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى حيث الطبيعية الجبلية الصعبة في إقليم قليقية، كما تركزوا في ثلاث مناطق أخرى متفرقة هي ملطية والرُّها وأنطاكية ، مع العلم أن هذه المناطق الثلاثة الأخيرة كانت تجمعات بيزنطية قديمة، ومن ثَمَّ أصبحت خليطًا من الأرمن الكاثوليك والبيزنطيين الأرثوذكس، غير أن سليمان بن قتلمش استطاع ضم أنطاكية لحكم السلاجقة سنة(477هـ) 1085م، وتسرب إليها المسلمون ليعيشوا فيها جنبًا إلى جنب مع البيزنطيين والأرمن ، وكذلك الرها فقد سيطر عليها ملكشاه، لكنه أقر على حكمها أحد الأرمن وهو ثوروس مع دفع الجزية ، ونفس الأمر حدث في ملطية فقد سيطر عليها أحد رجال الأرمن يُدعى جبريل، وكان كذلك يعلن الولاء للسلاجقة .
ومن هنا نرى أن هذا الوجود الأرمني المكثف جعل الأمور غير مستقرة وغير آمنة في هذه المناطق الثلاثة، إضافةً إلى إقليم قليقية في الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى، وهذا كله سيكون له آثار مباشرة في نجاح الحملة الصليبية الأولى كما سيتضح لنا.
وهكذا نرى أن التركيبة السكانية الصعبة في آسيا الصغرى والمكوَّنة من سلاجقة وأرمن وبيزنطيين، والتفتُّت الواضح في مراكز الحكم، والعلاقات السلبية بين الطوائف المختلفة، والتوتر الشديد مع المناطق المحيطة، كل هذا أدَّى إلى وضع معقد جدًّا في هذه المناطق، لعله يفسِّر الاقتحام الصليبي المرتقب لمنطقة آسيا الصغرى وما حولها.
كان هذا هو الوضع في شرق العالم الإسلامي، وهو - كما رأينا - وضعٌ لا ينذر بخير، سواء في مناطق آسيا الصغرى والشام وفلسطين أو في مناطق العراق وفارس.
ولم يكن الوضع في بقية بلاد العالم الإسلامي طيِّبًا، اللهم إلا في بعض البقاع المتفرقة، ولعل أهم المناطق التي تعنينا في هذه القصة هي منطقة مصر لقربها من الأحداث، بل ولتعرضها لبعض الحملات الصليبية كما سيتبين لنا.
وكانت مصر في هذه الأثناء تحت حكم العبيديين (الملقَّبين بالفاطميين)، وقد بدأ حكمهم في مصر سنة (358هـ) 969م بعد عدة محاولات لاحتلالها على مدار أكثر من خمسين سنة سابقة، ثم آلت لهم في النهاية مع شمال إفريقيا، بل وامتد حكمهم إلى الشام والحجاز.
والعبيديون طائفة متطرفة جدًّا من الشيعة، يقولون بكل عقائد الشيعة وأكثر، ويحرِّفون تحريفاتهم وأشد، وهم يدَّعون النسب إلى فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله ، وكذبوا في ذلك، بل نسبهم إلى أحد اليهود الذين عاشوا في المغرب، وقد سيطروا على المغرب سنة (296هـ) 908م، ثم انتشروا في شمال إفريقيا، وأقاموا ما يسمونه بالخلافة الفاطمية، وهي ليست في الأصل خلافة ولا فاطمية، إنما هي دولة خبيثة قامت على قتل علماء السُّنَّة واضطهادهم، وأذاقت الناس العذاب ألوانًا، وأظهرت من الفسق والفجور والمنكرات، وتغيير العقائد والأخلاق ما لا يتخيل، وكانوا جميعًا من طائفة الإسماعيلية، وهي إحدى الطوائف المنشقة عن الشيعة والمنتسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق ؛ يقول الإسماعيلية: إن الإمام السابع هو ابنه إسماعيل. بينما يقول الشيعة الاثنا عشرية: إن الإمام السابع هو موسى الكاظم الابن الآخر للإمام جعفر الصادق. ويقول الإسماعيلية أيضًا: إنه كان بعد الإمام إسماعيل خمسة أئمة مستورين، ثم الإمام الثالث عشر هو المهدي مؤسس الدولة العبيدية. ويدَّعون في أئمتهم أشياء عجيبة وخوارق منكرة، ووصل الأمر إلى ادِّعائهم أن الله  حلَّ في أئمتهم - تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا - ولذلك فهناك منهم من ادَّعى الألوهية وليس النبوة، ومن أشهرهم الحاكم بأمر الله الذي كان زعيمًا لدولتهم في مصر، وهو الذي خاطبه الشاعر بقوله:
ما شئتَ لا شاءت الأقدار *** فاحكمْ فأنتَ الواحد القهارُ
وأنشأ هؤلاء الفُسَّاق الجامع الأزهر في مصر لينشر سمومهم وأفكارهم المتطرفة، ولكن ردَّ الله كيدهم في نحورهم، فأصبح الجامع الأزهر على مدار عدة قرون من مراكز إشعاع السُّنة في العالم. وكانوا يُظهِرون سبَّ الصحابة بل والأنبياء، بل ورسول الله ؛ ومن ذلك ما كان ينادي به القائم بن المهدي في الأسواق: "العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار وما حوى". وكانوا يضربون عنق من أظهر حُبَّ أبي بكر أو عمر، ويقطعون لسان من قال في الأذان (حي على الفلاح)؛ لأنهم يستبدلون بها (حي على خير العمل)، ومنكرات أخرى كثيرة مطولة مسجلة في كتب التاريخ .
لقد كانت هذه الدولة الخبيثة هي التي تحكم مصر في ذلك الوقت، بل وإنها انقسمت على نفسها في سنة (487هـ) 1094م، عندما تُوفِّي خليفتهم المستنصر، وتكوَّنت فرقتان كبيرتان؛ الأولى هي التي تقطن بمصر وتحكمها، وهي المستعلية (نسبة إلى المستعلي بن المستنصر). أما الفرقة الثانية فهي أشد شرًّا من كل ما سبق وهي فرقة النزارية، وهي المنتسبة إلى نزار بن المستنصر أخي المستعلي بن المستنصر، وهذه الطائفة ألغت الشعائر الدينية، وامتنعوا عن إقامة الفرائض، ومع ذلك ظلوا يدَّعون الإسلام، وهم الذين عرفوا في التاريخ باسم الباطنية، وهم يُظهِرون شيئًا ويبطنون أشياء أخرى، وكان من همِّهم الأكبر قتل علماء السُّنة ومجاهديهم، وسيكون لهم أثر سلبي شديد على حركات الجهاد التي تهدف إلى إخراج الصليبيين من أرض المسلمين، وكان هؤلاء الباطنية أهل حرب وحصون وقلاع، وبأس شديد في القتال، وكانوا يشنِّون حروب العصابات على القرى الآمنة، وعاثوا في الأرض فسادًا، وكانوا أشدَّ على المسلمين من الروم والصليبيين.
أما الطائفة التي كانت تحكم مصر في أواخر القرن الخامس الهجري، أيام قدوم الحملة الصليبية فكانت طائفة المستعلية الإسماعيلية، وكانوا قد فقدوا السيطرة تمامًا على مناطق شمال غرب إفريقيا، ولم يعُدْ لهم في ملكهم إلا مصر، وكانت لهم أطماع كبيرة في الشام وفلسطين؛ ولذلك فإنهم كانوا في حروب مستمرة مع السلاجقة السُّنة، ولم يكونوا يمانعون أبدًا في التحالف مع الروم البيزنطيين تارة، ومع الصليبيين أنفسهم تارة أخرى في سبيل القضاء على السلاجقة، واقتطاع جزء من أرض الشام وفلسطين.
لقد كان الوضع مؤسفًا حقًّا! وكان الجيش المصري آنذاك - وعماده في الأساس العبيديون الإسماعيلية - شوكةً في حلق الأمة الإسلامية، وظل كذلك فترة من الزمان حتى ظهر نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، كما سيتضح لنا من مجريات الأحداث بإذن الله.
إذن كانت هذه هي الحال في مناطق آسيا الصغرى والشام والعراق ومصر، وكلها كما رأينا كان سيِّئًا لسبب أو لآخر، ولم يكن الحال في بقية أطراف العالم الإسلامي بأفضل من ذلك.
فقد كان الغزنويون يسيطرون على أفغانستان والهند، ولكنهم - للأسف الشديد - كانوا قد دخلوا في وقت أفولهم، وبالتالي ضعفت قوتهم جدًّا عن نصرة بلاد الشام، فضلاً عن بُعد مسافاتهم عن هذه الأراضي.
وكانت اليمن مقسَّمة بين ثلاث طوائف هم: بنو نجاح، والصليحيون، وبنو زريع؛ وكانت الحروب بينهم مستمرة، وكان يغلب على معظمهم التشيُّع، وكانوا يدينون بالولاء للدولة العبيديّة في مصر.
وكانت تونس تحت حكم آل زيري، وكانوا أيضًا قد دخلوا في طور من الضعف؛ مما أدى إلى فَقْد ثغر من أعظم الثغور الإسلامية، وهي جزيرة صقلية، حيث استطاع الإيطاليون النورمانيون أن يسيطروا عليها تمامًا سنة (484هـ) 1091م، وزال نفوذ آل زيري عنها، وبالتبعية زال وجود المسلمين من الجزيرة بعد حكم دام مائتين وسبعين سنة متصلة .
أما المكان الوحيد الذي كان يشهد قوة إسلامية في ذلك الزمن، فكان بلاد المغرب العربي وغرب إفريقيا والأندلس؛ حيث كانت هذه المناطق تابعة لدولة المرابطين العظيمة تحت قيادة قائدهم الفذِّ يوسف بن تاشفين رحمه الله، وهو من أعظم القادة في تاريخ الإسلام، وهو الذي أنزل بالصليبيين القادمين من شمال إسبانيا وفرنسا الهزيمة الساحقة في معركة الزَّلاَّقة سنة (479هـ) 1086م في وسط بلاد الأندلس.
وهذه الدولة الكبيرة - على قوتها - لم تكن تستطيع أن تساعد بلاد المشرق في حروبهم ضد الحملات الصليبية، لا لبُعد المسافة فقط ولكن لانشغالهم الشديد في حرب الصليبيين شمال الأندلس، والوثنيين في غرب إفريقيا ووسطها.
فهذه كانت نظرة عامة على بلاد العالم الإسلامي في أواخر القرن الخامس الهجري (أواخر القرن الحادي عشر الميلادي)، وهو الوضع الذي مهَّد لدخول الصليبيين إلى معاقلنا، وليس دخول الصليبيين - كما سنتبين - راجعًا إلى قوتهم، ولكنه يرجع في الأساس لضعفنا، وفرقة صفِّنا، وتشتت قوتنا، وبُعدنا عن ديننا، وهي عوامل مهلكة لا تخفى على لبيب، ولا ينكرها عاقل.
كان هذا هو وضع بلاد العالم الإسلامي قبيل الحروب الصليبية، فكيف كان وضع أوربا في هذه الآونة؟ هذا ما سنتعرف عليه في الفصل القادم.

أوربا قبل الحروب الصليبية

لن نستطيع أن نفهم حقيقة الحروب الصليبية ولا دوافعها وبواعثها بدون اطِّلاع دقيق على الحياة التي كانت تعيشها أوربا في ذلك الوقت، ولا ينبغي أن يكون ذلك على المستوى السياسي فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا المستوى الاقتصادي والديني والاجتماعي؛ لنأخذ فكرة كاملة عن الأحوال هناك، ومن ثَمَّ نفقه هذا التوجُّه الأوربي الشامل لغزو العالم الإسلامي الشرقي.
أولاً: الخلفية الدينية:
في هذه الحقبة التاريخية وفي القرون التي سبقت الحروب الصليبية، وخاصةً القرن التاسع والعاشر الميلادي، وكذلك الحادي عشر الذي تمت فيه الحروب الصليبية، كان للكنيسة سيطرة كبيرة على مجريات الأمور في أوربا، ولم تكن هذه السيطرة فكرية ودينية فقط، بل كانت سياسية واقتصادية وعسكرية أيضًا .
لقد كان في إمكان الكنيسة أن تسحب الثقة من الملوك والأمراء، فتنقلب عليهم الأوضاع، ويرفضهم الخاصَّة والعامَّة، ومن ثَمَّ فالجميع ينظر إلى رأي الكنيسة بقدرٍ كبير من الرهبة والتبجيل، ويكفي للدلالة على قوة البابا في ذلك الوقت أن نذكر موقفًا للبابا جريجوري السابع مع الإمبراطور الألماني هنري الرابع. لقد كان الإمبراطور الألماني هو أقوى ملوك أوربا في زمانه، ومع ذلك فقد غضب عليه البابا في أحد المواقف، ورفض الإمبراطور الاعتذار للبابا، فقام البابا بسحب الثقة منه، وأعلن حرمانه من الرضا الكنسي، وبالتالي حرمانه من الجنة كما يزعم! وبدأ الناس يخرجون عن طوعه، بل وكاد أن يفقد ملكه، فنصحه مقربوه بالاعتذار الفوري للبابا، فماذا يفعل الإمبراطور الألماني الكبير؟! لقد قرر أن يأتي من ألمانيا إلى روما ماشيًا حافي القدمين! وذلك حتى يظهر ندمه الشديد على إغضابه للبابا. ثم كانت المفاجأة أن البابا رفض أن يقابله لمدة ثلاثة أيام كاملة، فبقي الإمبراطور خارج الكنيسة في المطر والبرد الشديد حتى سمح له البابا بالمقابلة، فما كان من الإمبراطور إلا أن ارتمى على الأرض يُقَّبل قدمي البابا ليصفح عنه !!
لقد كان هذا هو الحل الوحيد أمام الإمبراطور العظيم ليحتفظ بملكه!
وكانت الكنيسة الكبرى هي كنيسة روما، والبابا يستطيع أن يتحكم في كل كنائس أوربا الكاثوليكية، ومن ثَمَّ يستطيع السيطرة على الأحداث في البلاد المختلفة، ولم تكن الكنيسة مكان عبادة أو معلِّم للأمور الدينية فقط، إنما كانت مؤسَّسة ضخمة تُؤدَّى إليها سنويًّا الأموال الغزيرة، ومن ثَمَّ فإنها كانت تملك الإقطاعيات الكبيرة في أوربا، بل وكانت تملك الفرق العسكرية التي تدافع عن هذه الإقطاعيات، وكانت الكنيسة تتحالف مع فرق عسكرية أخرى عند الحاجة، ومن هنا أصبحت الكنيسة تمثِّل الحاكم الحقيقي لمعظم دول أوربا الغربية، وإن لم يكن هناك اتحاد بالمعنى المفهوم بين هذه الدول.
ومع كون الكنيسة تحتل في هذا الوقت هذه المكانة الكبيرة إلا أن القساوسة كانوا على درجة كبيرة من الجهل والتخبط، ولم يكن لهم في الغالب أي كفاءة دينية أو إدارية أو قيادية ، ولم يكن هذا فقط، بل إن معظم البابوات في القرن التاسع والعاشر الميلادي كانوا على درجة كبيرة من الفساد الأخلاقي، سواء في قضايا المال أو في قضايا النساء ، وكثير منهم قُتل في حوادث أخلاقية مخلَّة ، مع أنهم جميعًا كانوا يدَّعون الرهبانية، ويعلنون اعتزالهم مُتَع الحياة، ويشيعون الزهد في الدنيا، ويمتنعون عن الزواج، ثم يرتكبون بعد ذلك أبشع جرائم السرقة، وكذلك الزنا؛ وصدق الله  إذ يقول في كتابه واصفًا هذا التحريف والتبديل الذي أضافه هؤلاء القساوسة في دينهم فشقوا على أنفسهم، وما استطاعوا الالتزام بما فرضه بعضُهم على بعض، يقول تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ).
وليس خافيًا على أحدٍ ما حدث منذ عدة سنوات عندما أمسكوا بجيمي سواجارت مع بعض العاهرات في أحد فنادق نيوأورليانز الأمريكية، وكان جيمي سواجارت قسيسًا من الذين يقيمون المناظرات مع الداعية الإسلامي الكبير أحمد ديدات رحمه الله، ثم أَبَى الله إلا أن يكشف أوراقه أمام الجميع، فلا يمر أحدٌ الآن على الفندق الذي أمسكوه به إلا ويتذكر قصة هذا الدعيّ جيمي سواجارت.
ومع هذا الوضع السيئ للبابوات والقساوسة إلا أنهم كانوا يسيطرون على الأوضاع في أوربا، وكان يساعدهم في ذلك السطحية والجهل والتخلف عند معظم شعوب أوربا آنذاك، وكذلك مفهوم الدين عند هذه المجتمعات البدائية، حيث كان الدين عندهم قائمًا على الخرافات والأباطيل، وكانت تسيطر عليهم فكرة الأشباح والأرواح والخوارق مثلما يحدث في مجتمع ريفي بسيط، وكان هذا الوضع المتدني يساعد البابوات والقساوسة في السيطرة على عقول الناس عن طريق نشر الإشاعات والأوهام، وعمليات غسيل المخ التي تمحو كل فرصة للتفكير عند الشعوب .
ومن الأفكار المهمة التي أشاعها البابوات والقساوسة في القرن الحادي عشر - أي قبيل الحروب الصليبية بقليل - أن الدنيا على وشك الانتهاء، وأن يوم القيامة قد اقترب جدًّا، وأن هذا مرتبط بمرور ألف سنة على نهاية عهد المسيح ، أي أن هذه الإشاعة بدأت تنتشر في سنة (424هـ) 1033م تقريبًا وما بعدها، وكانوا يفسِّرون كل الظواهر الكونية والطبيعية في ذلك الوقت على أنها أدلة على صدق الإشاعة، ومن ذلك مثلاً ثورة بركان فيزوف في إيطاليا، أو حدوث بعض الصواعق أو الزلازل .
وكان لانتشار مثل هذه الشائعات الأثر في إحداث حالة من الوجل والرعب والهلع عند عموم الناس، وخوفهم المفرط من ذنوبهم، وبروز دور البابوات والقساوسة والكنيسة بصفة عامة لإنقاذ الناس من هذه الضغوط، ومساعدتهم على التخلص من هذه الذنوب، وضرب رجال الدين على هذا الوتر بشدة، واستغلوه في توجيه الناس إلى ما يريدون، وقد كان من أهم الوسائل للتخلص من هذه الذنوب دفع الأموال للكنيسة، وهو الأمر الذي تطور بعد ذلك إلى صكوك الغفران، التي ثار عليها بعد ذلك بقرون مارتن لوثر مؤسِّس البروتستانتية .
غير أن هناك وسيلة أخرى أشاعها البابوات والقساوسة للتخلص من الذنوب لها علاقة كبيرة بموضوعنا، وهو التشجيع على رحلات الحج إلى أرض فلسطين مهد المسيح ، وذلك للتكفير عن الذنوب، وكانت رحلات الحج التكفيرية هذه تستغرق من الناس جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً، قد يصل إلى سبع سنوات، وكانت هذه الرحلات بديلاً عن دفع المال الكثير للكنيسة ، ومن ثَمَّ رغب فيها الفقراء الذين لا يستطيعون شراء رضاء الكنيسة، ومن هنا توالت رحلات الحج لفلسطين، والتبرك بالآثار هناك، وأصبحت هذه الرحلات ثقافة عامة عند الناس؛ ولذلك انتشر اسم فلسطين، وصار متداولاً بين عموم الناس. ولا شك أن هذا مهَّد نفسيًّا لقبول فكرة الحروب الصليبية بعد ذلك، فهي تذهب إلى مكان مألوف محبوب سمع الناس كثيرًا عنه، بل وشُجِّعوا على الذهاب إليه، بل إن فلسطين صارت حُلمًا لكثير ممن يريد الذهاب للتخلص من ذنوبه قبل انتهاء الدنيا، غير أنه يفتقد الطاقة البدنية أو المالية ليقوم بالرحلة، وكل هذا - لا شكَّ - أدى إلى تضخيم حجم فلسطين في عيون الغربيين .
وتشير الكثير من المصادر والوثائق أن استقبال المسلمين الذين يحكمون الشام وفلسطين لهؤلاء الحجاج كان استقبالاً طيبًا جدًّا، ولم يثبت أي محاولات تضييق عليهم كما يحاول البابوات أن يشيعوا؛ لكي يسوِّغوا فكرة الهجوم على فلسطين لتسهيل رحلات الحج لنصارى أوربا . فهذه الخلفيات الدينية المعقدة من رغبة حثيثة للكنيسة للسيطرة على عقول الناس وأموالهم، ومن خوف مطَّرد عند الشعوب من فناء الدنيا وكثرة الذنوب، ومن حبٍّ جارف لهذه الأرض التي وُلد بها المسيح، والتي بسبب الرحلة إليها ستُغفر الذنوب. كل هذا وغيره مهَّد لفكرة الحروب الصليبية وغزو فلسطين.
ولعل الخلفيات التي يجب أن تضاف إلى هذه الأمور السابقة، والتي تفسِّر ولع الغرب بقضية فلسطين خصوصًا والشرق عمومًا، هي ظهور رغبة عند بعض بابوات روما لضم الكنيستين الغربية الكاثوليكية والشرقية الأرثوذكسية تحت سقف واحد، يحكمه الكاثوليكيون بالطبع، وكان الذي تبنَّى هذا المشروع بقوة هو البابا جريجوري السابع، وهو البابا السابق مباشرة للبابا أوربان الثاني الذي وقعت في عهده الحروب الصليبية. وكان من ضمن الخطوات التي أخذها البابا جريجوري السابع لإتمام هذه الخطوة الفريدة أن بدأ يحسِّن من علاقاته مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين ، وهو الإمبراطور الذي سيعاصر الحروب الصليبية؛ مما جعل المراسلات بينهما مستمرة، ومما حدا - بعد ذلك - بالإمبراطور البيزنطي أن يستغيث بالغرب الكاثوليكي لنصرته ضد السلاجقة المسلمين، وذلك مع شدة كراهية هذا الإمبراطور الأرثوذكسي لكل بابوات وملوك وشعوب أوربا الكاثوليكية.
ولعل الخلفيات التي ذكرناها سابقًا تفسِّر بوضوح الحميَّة المتناهية التي كانت عند الغرب للمشاركة في الحملات الصليبية، ومع ذلك فليست الخلفية الدينية هي الخلفية الوحيدة عند الشعوب الأوربية آنذاك، ولكن كانت هناك عوامل أخرى مؤثرة جدًّا، مثل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ثانيًا: الخلفية الاقتصادية:
عاشت أوربا عدة قرون تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة، فمع خصوبة الأرض إلا أنها مليئة بالغابات ، واستصلاح الأراضي وزرعها يحتاج إلى فنٍّ وجهد وتقنية، ولم يكن هذا متوفرًا في هذه البيئات الجاهلة، وخاصةً في المناطق الشمالية ذات الصقيع القارس، هذا فوق ضعف المواصلات وانقطاع الطرق؛ مما كان يمنع وصول الغذاء من مكان إلى مكان ولو بغرض التجارة، ومن ثَمَّ فإن نقص الإنتاج المحلي من الغذاء كان يعني ببساطة المجاعة القاتلة! وكانت هذه المجاعات تستمر أحيانًا سنوات، مما يؤدِّي إلى فناء قرى ومدن، وكان انتشار الأمراض وانعدام العلاج يساهم في موت المزيد والمزيد، وكل هذه الأمور جعلت الفقراء والفلاحين يضيقون ذرعًا بحياتهم، ويشعرون بالإحباط الدائم واليأس المستمر، فإذا أضفت لكل ذلك الضرائب الباهظة التي كان يدفعها الفلاحون أدركت مدى المعاناة التي كانوا يعيشونها.
وفي أخريات القرن الحادي عشر، وخاصةً في السنوات العشر التي سبقت الحروب الصليبية حدثت مجاعات رهيبة قاتلة، خاصةً في شمال فرنسا وغرب ألمانيا، ولعل هذا يفسِّر خروج الكثير من الجيوش من هذه المناطق، التي كان لا بد لها من أن تهرب إلى أي مكان به طعام وشراب، ولو كان هذا المكان على بُعد مئات وآلاف الأميال، فلن يكون أسوأ من الموت جوعًا !
وعلى النقيض من هذه الصورة، كانت هناك صورة مغايرة تمامًا عند بعض الاقتصاديين في أوربا، وخاصةً في الجنوب الأوربي وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، فقد ازدهرت التجارة البحرية في ذلك الوقت وأفاد تجَّار الجنوب الأوربي من وجودهم على السواحل في التجارة مع حوض البحر الأبيض المتوسط بكامله، بل تجاوزوه إلى داخل آسيا وإفريقيا. وكان من أبرز الموانئ التي ظهرت في الفترة التي سبقت الحروب الصليبية موانئ إيطاليا، وخاصةً جنوة وبيزا، فكانت هذه الموانئ تمثِّل قوة اقتصادية مؤثرة في هذا الوقت، وكانت القوة الاقتصادية المنافسة الوحيدة هي قوة الاقتصاد الإسلامي، وكانت لهذه القوة مراكزٌ مهمة في الشام ومصر والمغرب، وكذلك في الأندلس، وكان هذا التنافس دافعًا للموانئ الإيطالية أن تتربص بالمسلمين قدر استطاعتها، ودفعها ذلك إلى تجهيز الحملات العسكرية لإخراج المسلمين من صقلية، وتمَّ لهم ذلك كما مر بنا، وخرج المسلمون خروجًا نهائيًّا من صقلية سنة (484هـ) 1091م بعد حكم مائتين وسبعين سنة، وهذا يسبق الحروب الصليبية بسبع سنوات فقط، ولا شك أن هذا جعل الطريق البحري آمنًا إلى حد كبير .
ومن هنا حرص تجار إيطاليا على دعم الحملات الصليبية المتجهة للشرق، فهم بذلك سيقضون على منافسهم الوحيد، ومن ناحية أخرى سيفتحون سوقًا هائلاً لتجارتهم في هذه البقاع الإسلامية.
وهكذا كان هناك شبه اتفاق بين المطحونين الكادحين الجائعين، وبين الاقتصاديين والأثرياء المتخمين لغزو العالم الإسلامي والمشاركة في الحروب الصليبية!
ثالثًا: الخلفية السياسية:
في القرن الخامس الميلادي، وبالتحديد في سنة 476م، سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية العتيدة، وذلك تحت الضربات الموجعة للقبائل الجرمانية الشمالية، وهي قبائل همجية عنيفة لم تنظر بأي عين من الاعتبار للحضارة الرومانية المتميزة، بل سعت إلى التدمير والإبادة. وفي غضون قرنين من الزمان، كانت القبائل الجرمانية قد انتشرت في كل أوربا، وكان هذا الانتشار مصحوبًا بنشر الأفكار الجرمانية العنيفة، والسلوك الإجرامي عند عامة الناس .
ثم شهد القرنان التاسع والعاشر الميلادي - قبل الحروب الصليبية بقرن من الزمان - عدَّة هجمات ضارية على أوربا، سواء من الفايكنج القادمين من إسكندينافيا أو من المسلمين القادمين من الأندلس أو الشمال الإفريقي، وهذا ساعد في زيادة الروح القتالية عند عموم الناس، وتحول الأوربيون إلى الشكل العسكري، حتى صارت صورة الشخص النبيل العظيم هي صورة الفارس المقاتل .
ونتيجة نمو هذا الفكر العسكري داخل أوربا، كان لا بد للقوى المختلفة أن تصطدم معًا، فبدأ الصراع بين الدول الأوربية المختلفة بغية التوسع والسيطرة، ثم قُسِّمت الدول إلى إقطاعيات منفصلة متصارعة فيما بينها، وعلى كل إقطاعية أمير قد يدين بالولاء أو لا يدين للملك العام على الدولة، وكوَّن كل أمير ميليشيات عسكرية خاصة به، وعمَّت الفوضى كل أرجاء أوربا؛ مما أدى إلى فَقْد الكنيسة السيطرة على هذه القوى الكثيرة والمتناحرة .
وكان الوضع أشد ما يكون ترديًا في فرنسا، حيث فقد ملك فرنسا السيطرة كُلِّيَّةً على البلاد، وصار الحكم فيها لأمراء الإقطاعيات، وتفتَّتت الدولة إلى إمارات متعددة، كلٌّ منها له جيشه الخاص . أما الوضع في ألمانيا فكان أفضل حالاً، حيث ظهر فيها ملك قويّ هو هنري الثالث، ثم ابنه هنري الرابع، وذلك في القرن الحادي عشر وقبيل الحروب الصليبية مباشرة؛ وهذا أدى إلى تماسك الوضع نسبيًّا في ألمانيا ، وإن كان هناك خلاف خطير نشأ بين هنري الرابع والبابا في روما كما مر بنا ، كان له توابع سنراها مع سير الأحداث.
وفي إنجلترا ظهر ملك قوي أيضًا هو وليم الفاتح، ولكن وضع إنجلترا الاقتصادي كان سيئًا جدًّا؛ مما جعلها مشغولة تمامًا بنفسها . أما الدويلات النصرانية في شمال الأندلس، فكانت تبذل كل طاقتها في حرب المسلمين هناك .
وتأتي القوة العسكرية الأخيرة في غرب أوربا متمثلة في إيطاليا، وكانت في الواقع قوة كبيرة، خاصةً في المناطق التي يسيطر عليها النورمانديون في جنوب إيطاليا، وبالذات بعد ظهور زعيم قوي جدًّا هناك هو روبرت جويسكارد، الذي كانت له أحلام توسعية هائلة وصلت إلى حروب مباشرة مع الدولة البيزنطية العتيدة ، وقد استطاع هذا القائد أن يُسقِط البلقان البيزنطية تحت سيطرته، بل وبذل أولى المحاولات لاحتلال أنطاكية التي كانت في حوزة البيزنطيين ثم المسلمين، وكان الذي يبذل هذه المحاولات هو ابنه شخصيًّا، وهو الأمير بوهيموند، الذي سيكون بعد ذلك أحد أمراء الحملة الصليبية الأولى .
كما صاحب ظهور هذه القوة الإيطالية المتنامية نمو سريع لأسطول بحري عسكري لميناء البندقية الإيطالي، وصار له أثر مباشر في تغيير سير الأحداث في حوض البحر الأبيض المتوسط بكامله .
إذن فالوضع السياسي في أوربا كان يضم عددًا كبيرًا من العسكريين المتصارعين، والمتنافسين على تقسيم البلاد عليهم، ولما كانت أوربا ضيقة وطبيعتها الجبلية والثلجية معوِّقة، كان التفكير في التوسع خارج أوربا، كما فكر في ذلك روبرت جويسكارد زعيم النورمانديين الإيطاليين، كما سيحدث بعد ذلك في الحروب الصليبية.
رابعًا: الخلفية الاجتماعية:
لم تكن الشعوب الأوربية في ذلك الوقت شعوبًا مستقرة، بل كانت تعيش حياة البدو الرُّحَّل، حيث ينتقلون من مكان إلى مكان سعيًا وراء الطعام أو الأمن؛ وهذا أدى إلى عدم وجود روح الاستقرار والتمسُّك بأرض معينة. ولعل هذا سهَّل كثيرًا على الناس أن يتركوا أوربا بكاملها، ويتجهون إلى فلسطين بحثًا عن نظام حياة أفضل وأسعد .
وكان الفلاحون في أوربا يعانون بطش أمراء الإقطاع، ولم يكن للفلاحين أدنى حقوق، بل كانوا يباعون مع الأرض، ويستغلون تمام الاستغلال لجلب الرفاهية لمالك الإقطاعية، وهذا ولَّد عندهم شعورًا بالحقد تجاه ملاَّك الأراضي وملاَّكهم، ولكن لم يكن لهم فرصة ولا حتى حُلم في الخروج من أزمتهم .
وفوق هذا الأسى الذي كان يعيشه معظم الشعوب فإن الجهل كان مُطبِقًا على الجميع، وكانت الأمية طاغية، ولم يكن هناك أي ميل للعلوم، وهذه الحالة المتخلفة جعلت من السهل جدًّا السيطرة عليهم بأية أفكار أو دوافع، ولم يكن عندهم من القدرة العقلية والذهنية ما يسمح لهم بتحليل الأفكار المعروضة عليهم، أو ما يمكِّنهم من الاختيار بين رأيين متعارضين، وهذا كله - ولا شك - سهَّل مهمة إقناعهم بترك كل شيء، والتوجه للحرب في فلسطين !
هذه الخلفيات التي بحثناها، وضحت لنا أن المجتمع الأوربي كان مكوَّنًا من طوائف شتى: دينية وسياسية واقتصادية وشعوبية، وكل هذه الطوائف لها أهدافها ومطامعها، تصغر أو تكبر بحسب حجمها، وسيكون من العجيب حقًّا أن تظهر شخصية تجمع أهداف هذا الشتات في هدف واحد، وتدفعهم جميعًا على اختلاف مستوياتهم المادية والعقلية في اتجاه واحد، فيخرج الجميع، كلٌّ يبحث عن غايته، وكلٌّ يسعى لتحقيق سعادته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
THUNDER
نائب المدير العــــــــــــــــــام
نائب المدير العــــــــــــــــــام


عدد المساهمات : 446
تاريخ التسجيل : 13/09/2009
العمر : 23
الموقع : PALESTINE

مُساهمةموضوع: رد: الحروب الصليبية3   الأحد أكتوبر 18, 2009 4:50 pm



والله أنك أحلى شباب

يا مسلم ولا أقولك يا يحيى

بااارك الله فيك يا عسل

وأن شاء الله بتنزل الحروب الصليبية كلها

وإلك في الأخير لما تخلص ( تزبيط على الأخر )
راح أخليك تكيف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحروب الصليبية3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: إسلاميات :: °¨¨™¤¦ التاريخ الإسلامي ¦¤™¨¨°-
انتقل الى: